سيد قطب
3295
في ظلال القرآن
ومن ثم يعود بعد هذه اللفتة إلى الحديث عن أولئك المنافقين المطموسين الغافلين ، الذين يخرجون من مجلس رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولم يعوا مما قال شيئا ينفعهم ويهديهم . ويستجيش قلوبهم للتقوى ، ويذكرهم بما ينتظر الناس من حساب وجزاء : « فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ؟ فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها . فَأَنَّى لَهُمْ - إِذا جاءَتْهُمْ - ذِكْراهُمْ ؟ » . وهي جذبة قوية تخرج الغافلين من الغفلة بعنف ، كما لو أخذت بتلابيب مخمور وهززته هزا ! ما ذا ينتظر هؤلاء الغافلون الذين يدخلون مجالس رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ويخرجون منها ، غير واعين ، ولا حافظين ، ولا متذكرين ؟ ما ذا ينتظرون ؟ « فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ؟ » . . فتفجأهم وهم سادرون غارون غافلون هل ينظرون إلا الساعة ؟ « فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها » . ووجدت علاماتها . والرسالة الأخيرة أضخم هذه العلامات ، فهي إيذان بأنها النذارة الأخيرة قرب الأجل المضروب . وقد قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « بعثت أنا والساعة كهاتين » وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها . « 1 » وإذا كان الزمن يلوح ممتدا منذ هذه الرسالة الأخيرة ؛ فإن أيام اللّه غير أيامنا . ولكنها في حساب اللّه قد جاءت الأشراط الأولى ؛ وما عاد لعاقل أن يغفل حتى تأخذه الساعة بغتة حيث لا يملك صحوا ولا ذكرا : « فَأَنَّى لَهُمْ - إِذا جاءَتْهُمْ - ذِكْراهُمْ ؟ » . . إنها الهزة القوية العنيفة التي تخرج الغافلين من غفلتهم ؛ والتي تتفق كذلك مع طابع السورة العنيف . ثم يتجه الخطاب إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ومن معه من المهتدين المتقين المتطلعين ؛ ليأخذوا طريقا آخر . طريق العلم والمعرفة والذكر والاستغفار ، والشعور برقابة اللّه وعلمه الشامل المحيط ؛ ويعيشوا بهذه الحساسية يرتقبون الساعة وهم حذرون متأهبون : « فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ؛ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ؛ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ » . . وهو التوجيه إلى تذكر الحقيقة الأولى التي يقوم عليها أمر النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ومن معه : « فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ » . . وعلى أساس العلم بهذه الحقيقة واستحضارها في الضمير تبدأ التوجيهات الأخرى : « وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ » . . وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . ولكن هذا واجب العبد المؤمن الشاعر الحساس الذي يشعر أبدا بتقصيره مهما جهد ؛ ويشعر - وقد غفر له - أن الاستغفار ذكر وشكر على الغفران . ثم هو التلقين المستمر لمن خلف رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ممن يعرفون منزلته عند ربه ؛ ويرونه يوجه إلى الذكر والاستغفار لنفسه . ثم للمؤمنين والمؤمنات . وهو المستجاب الدعوة عند ربه . فيشعرون بنعمة اللّه عليهم بهذا الرسول الكريم . وبفضل اللّه عليهم وهو يوجهه لأن يستغفر لهم ، ليغفر لهم ! واللمسة الأخيرة في هذا التوجيه :
--> ( 1 ) أخرجه الشيخان عن سهل بن سعد رضي اللّه عنه .